ما هي فرص لجوء مصر لحل عسكري بعد رسائل ملء سد النهضة؟

خميس, 07/16/2020 - 17:27

ما هي الخيارات المتاحة أمام مصر، بعد تضاؤل فرص الحل السياسي، خاصة في حال إعلان إثيوبيا بدء ملء سد النهضة رسمياً وبشكل نهائي، ما سيضع الحكومة المصرية في موقف حرج داخلياً وخارجياً، خاصة أنها أعلنت أكثر من مرة عن عدم قبولها بدء ملء خزان السد قبل التوصل إلى اتفاق نهائي ترتضيه الدول الثلاث؟

مصدر دبلوماسي مصري استبعد أن تلجأ “القاهرة” إلى الحل العسكري مباشرة، في حال فشل المفاوضات الجارية حالياً بشأن سد النهضة، والتي يُشرف عليها الاتحاد الإفريقي، وشدَّد على أنَّ مصر لن تلجأ إلى الخيارات العسكرية إلا إذا استنفدت كل الجهود الدبلوماسية والسياسية والقانونية، مؤكداً أن المعركة الدبلوماسية والسياسية لم تنتهِ حتى الآن.

وأشار المصدر إلى أن مصر غير مضطرة إلى الحل العسكري حتى الآن، لأن حقوقها المائية مصونة وفق القانون الدولي، ومن ثم فإن موقفها التفاوضي ما زال هو الأقوى أمام كل المنظمات والقوى الدولية، التي توسطت لحل الخلافات طوال الفترة الماضية.

فالولايات المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، والبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، ثم الاتحاد الإفريقي، يرون أن مصر مرنة، وقدّمت كل التسهيلات من أجل عدم عرقلة إنشاء أو تشغيل سد النهضة، وأن الجانب الإثيوبي هو الذي اتبع سياسة المماطلة والعرقلة، لأن لديه نوايا أخرى لم يعلن عنها حتى الآن.

الخيار العسكري وارد

وأقرّ المصدر في تصريح لـ “عربي بوست”، بأن عدم اللجوء إلى الخيار العسكري حالياً ليس معناه استبعاد هذا الخيار نهائياً، مشيراً إلى أن وزير الخارجية المصري سامح شكري، قال في كلمته أمام مجلس الأمن الدولي، قبل أسبوعين، بشأن أزمة سد النهضة، إن “الدفاع عن البقاء ليس محض اختيار”.

وشدَّد على أن مصر خلال السنوات الأخيرة، أنفقت مليارات الدولارات من أجل امتلاك الإمكانات كافة، وأحدث الأنظمة العسكرية المتطورة.

كما أنشأت العديد من القواعد العسكرية داخل حدودها، وأبرزها قاعدة “برانيس”، التي تقع في أقصى الجنوب الشرقي للحدود المصرية، والتي تمثل أقرب نقطة عسكرية مصرية من الحدود الإثيوبية.

تحالفات عسكرية لتطويق أديس أبابا

وأشار المصدر الدبلوماسي إلى أن السنوات القليلة الماضية شهدت تحركات مصرية مكثفة، لإعادة تحالفاتها القوية مع عديد من دول العالم، خاصةً الدول الإفريقية المجاورة لإثيوبيا، والتي تربطها علاقات استراتيجية تاريخية مع الدولة المصرية مثل جنوب السودان، وإريتريا.

واعتبر أن زيارة الرئيس الإريتري لمصر مؤخراً، تأتي في إطار هذه التحركات التي تهدف إلى تطويق الحدود الإثيوبية، فضلاً عن التقارب الواضح لأول مرة بين موقفي السودان ومصر من أزمة سد النهضة، وهو نتاج تحركات قوية في هذا الاتجاه.

فارق القدرات العسكرية بين مصر وإثيوبيا

تتباين القدرات الاقتصادية بين البلدين بشكل كبير لتكون في صالح مصر، ولكن فيما يتعلق بالقدرات البشرية، فإن إثيوبيا أكثر سكاناً، إذ تحتل المرتبة الثانية من حيث عدد السكان بإفريقيا تليها مصر في المرتبة الثالثة.

من الناحية الاقتصادية، يبلغ إجمالي الناتج المحلي المصري -وفقاً للقيمة الاسمية-302 مليار دولار مقابل 91.66 مليار دولار لإثيوبيا، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2019، أي إن الناتج المحلي المصري 3 أضعاف الإثيوبي.

وتصنف عديد من التقديرات الجيش المصري كتاسع أقوى جيش في العالم، ويراه البعض أقوى جيش بالشرق الأوسط.

وفي هذا الإطار، فإن الفجوة بين البلدين التي نراها في الاقتصاد والتعليم تزداد حدتها بالجوانب العسكرية.

فالجيش المصري جيش شرق أوسطي، يتسم كعديد من جيوش هذه المنطقة بأن عدد أفراده كبير، كما يمتلك أعداداً كبيرة من الدبابات والطائرات والعربات المدرعة (عامة تُعتبر جيوش كثير من دول الشرق الأوسط من أكبر الجيوش عدداً بالنسبة للسكان، كما ترتفع نسب امتلاكها للدبابات على غرار الجيشين التركي والإسرائيلي، وكذلك العراقي والسوري قبل الأزمات التي تعرضا لها).

فهناك فارق هائل بين الجيشين لصالح مصر، ولكن هل يعني ذلك أن القاهرة تستطيع معاقبة إثيوبيا على تجاهل مطالبها في مسألة سد النهضة وشن حرب عليها أو قصف السد؟

والواقع أن الحروب ليست مجرد إحصاءات عن فارق القوة بين الجيوش، ولكن الأمر أعقد من ذلك بكثير.

الجغرافيا هي العدو الأخطر لمصر

المؤثر الأول في أي صراع بين البلدين هو الجغرافيا، لا توجد أي حدود مشتركة بين البلدين؛ ومن ثم لا تستطيع مصر استخدام قواتها البرية الضخمة ضد أديس أبابا، إلا عبر عمليات إنزال جوي ضخمة، وهو أمر لا تستطيعه سوى دول قليلة في العالم، غالباً هي الولايات المتحدة وبصورةٍ أقل روسيا.

البديل الثاني هو عملية عسكرية عبر الحدود السودانية، وهو ما يعني توريط السودان في الحرب.

والسودان أبدى رغبة واضحة في عدم التصعيد مع إثيوبيا، ورفض توجُّه مصر إلى مجلس الأمن رغم تحرشات أديس أبابا العسكرية به.

كما أن إثيوبيا واحدة من أعقد البلدان جغرافياً في العالم، وتتكون من هضاب ضخمة وسلاسل جبال وأودية تقلل من فاعلية المدرعات بشكل كبير، وتعطي أفضلية لصاحب الأرض الذي يستطيع استغلال الجغرافيا التي يعرفها جيداً، خاصة في حروب العصابات التي تخسرها عادةً الجيوش النظامية.

كما أن الشعب الإثيوبي محارب، والنظام مركَّب، إذ يعتمد إضافة إلى الجيش على سلسلة من الميليشيات المرتبطة بالنظام، وهو الأمر الذي يجعل شكل الحرب معه معقداً، كما فعل مع السودان مؤخراً.

هل يمكن قصف السد؟

تبعد إثيوبيا عن مصر أكثر من ألف كيلومتر مما يجعل استخدام الطائرات لتنفيذ غارات جوية على السد مسألة معقدة.

إذ إن أقرب قاعدة مصرية لإثيوبيا تبعد عن سد النهضة نحو 1500 كم، ولا تمتلك القاهرة سوى عدد قليل من الطائرات القادرة على الوصول إلى إثيوبيا، منها طائرات رافال الفرنسية التي يبلغ نصف قطرها القتالي 1800 كم، إضافة إلى نحو 12 مقاتلة من طراز إف 16 بلوك 52، ولا تمتلك مصر طائرات تزود بالوقود.

ورغم أن الرافال قادرة على تزويد نظيراتها بالوقود فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة محدودة في مداها.

وهناك غموض حول كيفية حماية إثيوبيا للسد، إذ إن معظم نُظمها الجوية قديمة، ولكن يُعتقد أنه محمي بنظام بانتسير الروسي الحديث نسبياً.

وهي منظومة متوسطة المدى مضادة للطائرات والصواريخ الكروز والطائرات من دون طيار، إلا أن الشكوك حامت حول قوة وكفاءة المنظومة بعد تدمير الطائرات المسيَّرة التركية للمنظومة في ليبيا وسوريا عدة مرات.

ولكن يظل بُعد المسافة وقلة الطائرات المصرية القادرة على الوصول لإثيوبيا أمراً يزيد صعوبة أي محاولة مصرية لقصف السد، خاصةً أن طائرات السوخوي 27 الإثيوبية رغم قدمها وتأخرها في مجال الإلكترونيات والرادارات مقارنة بالرافال والـ”إف 16 بلوك 52″ فإنه تظل لديها قدرات مميزة بمجال القتال الجوي التلاحمي، في مقابل أن الطيارين المصريين سيكون عليهم أن يقاتلوا بعيداً عن قواعدهم.

كما أن افتقاد مصر وجود طائرات تزوَّد بالوقود يجعل المهمة محفوفة بالمخاطر، إذ سيكون من الصعب على الطائرات المصرية الاشتباك لوقت طويل مع أي طائرات معادية؛ حتى لا ينفد وقودها.

وقد يكون الحل بالنسبة لمصر تنفيذ ضربة مباغتة، وهو أمر لا يمكن ضمانه في ظل احتمال تلقِّي إثيوبيا معلومات عن الغارة المصرية من قِبل بلد مثل إسرائيل أو أي قوة عظمى لديها أقمار صناعية وقدرات استطلاع وتجسس متقدمة.

وحتى لو تمكنت مصر من التغلب على الصعوبات الفنية في عملية قصف السد، فإن التبعات السياسية كبيرة، فأي عملية تعني عبور أجواء السودان، الذي يحاول تجنب مواجهة مع إثيوبيا.

كما أن من شأن أي عملية، جلب انتقادات دولية لا سيما إفريقية، كما أن إثيوبيا تحظى بتعاطف لدى الرأي العام الغربي في ظل صعود موجة رفض عارمة للعنصرية ضد السود، ويلاحَظ صعود موجة تعاطف بين عدد من النواب السود في الكونغرس الأمريكي، تحاول تصوير الصراع على أنه تنمُّر من دولة عربية بيضاء على دولة إفريقية تحتل مكانة خاصة لدى السود في العالم باعتبارها أقدم حضارة إفريقية سوداء.

كما يعتز الأفارقة في العالم بأن إثيوبيا هي القوة الإفريقية السوداء الوحيدة التي هزمت قوة أوروبية كإيطاليا في معركة العدوة الشهيرة بنهاية القرن التاسع عشر، إضافة إلى المكانة التي اكتسبتها إثيوبيا باعتبارها معقل المسيحية في إفريقيا لدى الغرب (علماً أنه يُعتقد أن أغلب سكانها مسلمون رغم الهيمنة المسيحية).

ولكن يظل خيار العمل العسكري بقصف السد رغم صعوبته الشديدة، وتداعياته الضخمة ليس مستبعداً بالنسبة لأي صانع قرار مصري، في ظل التعنت الإثيوبي واستغلال أديس أبابا كل العوامل السابقة لتجاهل مطالب مصر والسودان، وتعاملها مع النيل باعتباره ملكاً إثيوبيّاً خالصاً، وهو الأمر الذي يعرّض البلدين لخطر وجودي، وفي ظل توقُّع أن مجلس الأمن لن يغير من الأمر شيئاً.

نقلا عن // علامات أون لاين 

الموقع على الشبكات الإجتماعية