تواصل وجميل.. مساهمة في نقاش

أربعاء, 07/01/2020 - 17:53

تواصل وجميل.. مساهمة في نقاش

محمد فال ولد الشيخ

قال الله تعالى "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس" وقال صلى الله عليه وسلم "انصر أخاك ظالما أو مظلوما " قال يارسول الله "أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما قال "تحجزه عن ظلمه" أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
عرفت الساحة التواصلية والوطنية نقاشا كبيرا خلال الأشهر الماضية بفعل المواقف والتدوينات التي ما فتئ رئيس حزب تواصل السابق المناضل الرمز محمد جميل منصور يكتبها بين حين وآخر بشأن مواقف الحزب: بدء بالانتخابات الرئاسية الماضية ونتائجها مرورا بالتعليق على خطابات رئيس الحزب وبياناته المختلفة وانتهاء باللقاء الأخير مع رئيس الجمهورية.
مواقف وتعليقات كان يمكن أن تمر مرور الكرام لو لم تصدر عن شخصية بمكانة وحجم وتأثير الأستاذ جميل منصور مؤسس حزب تواصل وأحد أبرز القادة السياسيين الإسلاميين طيلة العقود الثلاثة الماضية.
ومع الإعلان عن لقاء الأستاذ جميل منصور برئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزاوني وبيان الحزب الذي نأى فيه بنفسه عن نتائج اللقاء وما أعقب ذلك من ردود أفعال، فقد تولدت لدي مجموعة من الملاحظات كتبتها بعد تردد لأسباب ليس أقلها الحرص على وحدة أبناء المشروع الإسلامي والابتعاد عن الاصطفاف لكن ترجح لدي أن السكوت في مقام البيان عجز وخذلان ومن حق أخيك عليك نصرته ظالما أو مظلوما زد على ذلك أن الموضوع أصبح قضية رأي عام والمساهمة في نقاش كهذا مسؤولية شرعية وأخلاقية ما التزام صاحبها بأخلاق الإسلام وأدب الخلاف .
سأحاول فيما يأتي أن أضع النقاط على الحروف وأن أشرح وجهة نظري المتواضعة ..وجهة نظر أرى أن كتمانها جبن وخور وأنها ستنفع بإذن الله (اللهم هذا جهدي) وقد كنت أتطلع إلى أن يكتب في الموضوع ويعلق عليه من هو أكثر اطلاعا مني وأعلى كعبا لكن العصر عصر تخاذل ومجاملات للأسف الشديد فلم يعد هنالك بد من اقتحام الموضوع رغم المخاطر والمزالق ولن أخرج بإذن الله عن مقتضى الأخوة وواجب الاحترام لإخوتي وأخواتي من ذوي الهيئات والسابقة,.

لا يخفى على المتبع للمشهد التواصلى أن الرئيس محمد جميل منصور يرفض أن يكون مجرد عضو في مجلس شورى الحزب وأنه يرى أن مكانته التأسيسية وملكاته القيادية تؤهلانه للبقاء فاعلا أساسيا ورقما صعبا في المعادلة التواصلية سواء داخل مؤسسات الحزب وأجهزته أم في التأثير على قراراته ومواقفه وهذا أمر مشروع لو بقي في سياقه، وتم داخل المؤسسات غير أن الأستاذ اختيار منصات الإعلام وسيلة للتعبير عن آرائه ضد مواقف الحزب ومؤسساته صراحة أو ضمنا (في خروج على أعراف الحزب) تارة بحجة أنها " آراء شخصية" وتارة بأن "المؤسسة تصادر العمل لا الرأي"..
الواقع أن الرئيس جميل صادر رأي قيادة الحزب ومؤسساته بسلسلة مواقف وتدوينات ونصب نفسه وصيا عليه ولم يقبل بأقل من ذلك (راجع مقابلة الرئيس جميل مع شبكة الفكر التي يقول فيها ما معناه إنه كان حريصا على إبداء مواقف معتدلة للحزب ليوازن بها مواقف أخرى يرى انها متشددة (أي وصاية أكبر من هذا !).
إضافة إلى( الموقف من ترشيح ولد بوبكر.. الموقف من نتائح الانتخابات الرئاسية .. التعليق على خطاب رئيس الحزب أمام جلسة مجلس الشوري ..تفنيد البيانات الحزبية ووصمها بالتشدد وعدم الدقة في أكثر من موقف وحالة)...
وقد أتاح له ارتباطه المباشر بالإعلام التعبير عن مختلف آرائه تجاه مواقف الحزب وبعض قياداته في الوقت الذي سكت فيه هؤلاء ربما بسبب موقعهم ومسؤولياتهم وبقي المجال مفتوحا أمامه دون غيره ليستدرك ويوجه ويتخذ من المواقف بشكل لا يراعى أدنى اهتمام برأي المؤسسة ولا انتظار لقراراتها وتوجهاتها، الأمر الذي شل قرارات الحزب وأثر عليها سلبا وفكك أي تأثير لمواقفه التكتيكية وأبطل مفعولها (منذ نهاية 2018 وقرارات الحزب يتم تقويضها واحدا تلو الآخر).
الأستاذ إذن يقول كل شيء عن خلافه مع قيادة حزبه حتى بشأن موعد اجتماع ثنائي ولا يصدر عن هذه القيادة أي موقف بهذا الشأن باستثناء بيان نأى فيه الحزب بنفسه عن لقاء مع الرئاسة جرى دون علمه ولا موافقته وعلم به من "وسائل الاعلام".
من البديهي أن الإشكال هنا لا يتعلق بصوابية الآراء السياسية للرئيس جميل من عدمها ولا يرتبط بأخطاء سياسية ارتكبها الحزب أم لا.. فكلها اجتهادات وآراء لها حظها من الخطأ والصواب .
لكن الأزمة في إهدار قيمة المؤسسية وصلبها على جدار مارك ونقد المواقف الداخلية على الفيس بوك بالنقطة والفاصلة (مع أن الرئيس جميل عضو في مجلس شوري الحزب ويمكن أن يطرح آراءه ويدافع عنها دون أي حاجة للخروج للإعلام).
الأمر الذي شكل صدمة حقيقية لأنصار الحزب وأعضائه الذين وجدوا أنفسهم في أزمة لم يتوقعوها.
إن أهم مكسب يفاخر به حزب تواصل خاصة والإسلاميون عامة هو احترام المؤسسية والقرارات الشورية والانحياز لها والبعد عن الارتهان للأشخاص مهما كانت مكانتهم ودورهم ..
حزب تواصل اليوم أمام امتحان حقيقي بغض النظر عن أسبابه فإن الموقف منه ينبغي أن يكون واضحا وضوح الشمس لا مجاملة فيه ولا تردد هل ينحاز للمؤسسة وقيمها وأعرافها أم ينحاز للأشخاص مع احترمنا لدورهم وتاريخهم وثقتنا في مبدئيتهم (أسجل هنا ولست بحاجة لذلك ثقتي التامة في أمانة ونزاهة الرئيس جميل وأن مواقفه لا تحركها مطامع ذاتية بحال من الأحوال وما هو بمعصوم ولا نزكى أحدا على الله) .
تعليقات الأستاذ التي ضاق عنها فضاء المؤسسات واتسع لها فضاء مارك باتت أقرب ما تكون إلى التربص وفرض الوصاية واستغلال الإعلام والوهج السياسي والطبيعة الخلافية للمواقف السياسية للإجهاز على مؤسسة حزبية لا تستطيع لأسباب ذاتية وأخلاقية أن تنقل الخلاف إلى الإعلام ولا يخدمها أن تدخل في ملاسنات على الفضاء العام بشأن مواقف الحزب في وقت شديد الحساسية كالظرف الذي عاشته موريتانيا منذ انتخابات 2018 مرورا بالرئاسيات إلى اليوم.
لا يكابر أحد في مكانة الرئيس جميل منصور ودوره في الفعل السياسي الإسلامي الموريتاني حيث ترأس اللجنة السياسية للإسلاميين منذ تسعينيات القرن الماضي وقد مكنته الظروف والمسؤوليات المختلفة في أن يجرب كل آرائه واجتهاداته بشكل كامل فيما لم يمض على قيادة الحزب الجديدة سوى ثلاث سنوات .
خرج جميل منصور من قيادة الحزب من الباب الواسع وأكبر إساءة يمكن أن توجه للحزب أو للرئيس جميل القول صراحة أو ضمنا أنه لا يمكن لتواصل الاستغناء عن جميل أو أن ما أنجزه الإسلاميون كان بجهد فرد أو بكسبه دون أن نغمط حق أحد ولا دوره.
لقد أعطى الأستاذ عصارة جهده للعمل الإسلامي طيلة العقود الماضية وكان في موقع يسمح له بتنفيذ كل مفترحاته وآرائه خاصة قبل تغيير 2017 الذي فرضته نصوص الحزب وساهم الرئىس جميل جزاه الله خيرا في تكريسه.
لقد أدى الأستاذ مسؤولياته وأمانته كاملة مع إخوانه في القيادة وهو اليوم مدعو من قبل أنصار الحزب ومنتسبيه إلى عدم تشويه هذا التاريخ المجيد والتشويش عليه بتعليق هنا أو هنا ..
تتوفر للرئيس فرص ومواقع كثيرة للمساهمة الفاعلة في قرارت الحزب ومواقفه ويمكنه أن يستثمر ذلك بعيدا عن وسائل الإعلام ووسائطه وبذلك يعطي لإخوانه في القيادة الفرصة كاملة في تحمل مسؤولياتهم بعيدا عن الضغوط والتأثيرات غير الديمقراطية.
إن أبناء المشروع الإسلامي الذين يحملون هم الإسلام ويضحون في سبيله بكل غال ونفيس يريدون وجه الله والدار الآخرة نحسبهم كذلك لم ينتسبوا لمشروع تواصل لأن الرئيس جميل رئيسه أو لأن الدكتور محمد محمود سييدي رئيسه وقد أظهروا للرئيس جميل وإخوانه في قيادة الحزب السابقة ويظهرون ذلك للقيادة الحالية كل ما يتمناه قادة الأحزاب الأخرى -بل يحسدون تواصل عليه- من ثقة وتضحية وولاء .
وهم (أي المنتسبون) يتطلعون اليوم إلى كل القيادات وعلى رأسهم الأخ الرئيس جميل منصور في أن يعطوا لقيادة الحزب الحالية ما تستحقه من ثقة ووقت وللتجربة الديمقراطية التواصلية ما تحتاجه من ظروف وأجواء لتؤتى أكلها وثمارها.
لا أحد يزعم أن قيادة الحزب منزهة عن أي خطأ أو تقصير وقد ارتكبت أخطاء بكل تأكيد لكن ذلك لا يبرر الحملات التي تشن ضدها بين وقت وآخر و تشويش على قراراتها وإفراغها من مضمونها بشكل واضح وغالبية القرارات السياسية هي تكتيك في حقيقها كما هو معلوم.( ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا).
إذا كانت المؤسسة أخطأت وهي تخطيْ فإن آراء الأفراد واجتهاداتهم أكثر عرضة للخطأ ولا محيد هنا عن التزام المؤسسية والركون إلى كنفها وليس من حق أحد الافتئات على المؤسسات الحزبية الشرعية وكان الأولى أن" نعمل فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".
لست في موقع يسمح لي بأن أوجه النصح إلى أي كان أحرى قامة فكرية سياسية سامقة كالأستاذ جميل (وأنا في سن أحد أبنائه) لكن الحق أكبر منا جميعا وقد قال علي رضي الله عنه "اعرف الحق بالحق ولا تعرف الحق بالرجال"

وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه

محمد فال الشيخ

الموقع على الشبكات الإجتماعية