حقوق الإنسان بين التراث والممارسة (1/4)

اثنين, 06/08/2020 - 17:23
د/عبد الله بيان /طبيب وحقوقي مقيم بالولايات المتحدة

الولايات المتحدة والعبودية: أثناء نقاش سابق مع أحد الحقوقيين الموريتانيين الذين يزورون الولايات المتحدة بشكل متكرر، قلت له إن النموذج الأمريكي، في مجال القطيعة مع العبودية والقضاء على مخلّفاتها، "ليس أول مثال تُبتغى منه الإفادة. بل هو كنموذج يستحضره المحافظون واليمينيّون لتطبيع الظلم والتهميش والتنميط الثقافي أقرب منه إلى مصدر الإلهام والاتّباع الذي يُبرزه أنصار العدالة." فالولايات المتحدة رغم إعلان تحرير العبيد "Emancipation Proclamation" في ستينيات القرن التاسع عشر، لا يزال خطر القتل فيها بين يدي الشرطة يقارب ثلاثة أضعاف بالنسبة للسود مقارنة بالبيض، ولا تزال نسبة الأفارقة الآمريكيين من الشباب في السجون تفوق نسبتهم في الجامعات بثلاثة أضعاف، حسب تقرير لآسوشيتد برس 2007.

هذا بالإضافة إلى التفاوت المريع في مجال امتلاك الثروة وتقلّد المناصب العليا. حتى إن القضاء، الذي يعدّ المؤسسة الأكثر استقلالية في الغرب، تعاني أحكامه فيها من التمييز العنصري؛ حيث يكون الأسود في المعدل عرضة لضعف محكوميّة الأبيض الذي يقوم مثله بنفس المخالفة ويكون لهما نفس السّجل القضائي. فعلى الرغم من كون الرجال السود يشكلون نسبة 6 بالمئة من الأمريكيين، فإنهم يشكلون 35 بالمئة من نزلاء السجون، حسب دراسة لجامعة متشغن سنة 2014.

مع ذلك، فرفض العبودية ومناهضة التمييز العنصري قيمة إنسانية عميقة داخل المجتمع الأمريكي، وربما يكون البيض الأمريكيون هم الفئة الوحيدة في العالم التي قامت بين أطرافها حرب أهلية طاحنة، راح ضحيّتها أكثر من نصف مليون قتيل، لأسباب من أهمها تحرير العبيد. فالنضال ضد العبودية في أمريكا يقوده "تيار أبيض" منذ منتصف القرن التاسع عشر رغم الدّور القيادي للنشطاء السود. وقد كان لذلك دور أساسي في سلمية خطاب قادة الحركة الحقوقية المدنية، رغم عنف أتباعها وتأثّرهم بنضالات الثورة الهايتيّة.

كما كان له دور آخر أهم في إبقاء الهوية السياسية للمستعبَدين السابقين في عمومها هويّة أمريكية محلّية مسيحيّة، منسجمة مع خيارات "الآباء المؤسِّسين" لبنية الدّولة ونظامها السياسي. فقد مات جورج واشنطن وعنده المئات من العبيد، لا تزال لائحة أسمائهم موجودة في الأرشيف الأمريكي، وكان الرئيس جون آدمز من أباطرة هذه الممارسة، وظل يشتري العبيد حتى أثناء حكمه، وأهدى ما يزيد على 50 عبداً لاثنتيْن من بناته عند زواجهما، ومع ذلك لا يمكن أن تجد ذكراً لهذه المعلومات خارج إطار البحث والدّراسة، على عكس ما يحصل مع التاريخ الاستعبادي في العديد من البلدان المشابهة. فلا يمكن الآن لأي حقوقي أمريكي جاد أن يتجرأ على الإساءة لرئيس مؤسِّس، مثل هؤلاء أو غيرهم، ولا أن يطعن في عدالة القوانين التي صاغوها بحجة عدم تشوّفهم للحرّية والمساواة.

وباختصار، هناك وعي وإيمان راسخان لدى الأمريكيين بأهمية تجاوز ممارسات الاستعباد والتمييز والعنصرية. ولكن الفئة الأكثر يمينيّة في المجتمع ("الرجال البيض" بشكل خاص، الذين يسيطرون على الحياة الاقتصادية والسياسية والدينية) بقيّت عصيّة على التّرويض، حتى من قبل الرؤساء الأكثر شعبية وتقدّمية. وظلت أمريكا "تضع ركبتها على رقبة" مواطنيها من السود إلى اليوم، على حد تعبير الناشط الأفريقي-الأمريكي آل شاربتون.

الموقع على الشبكات الإجتماعية