مؤتمر برلين.. السياقات والتوقعات المحتملة!

اثنين, 10/28/2019 - 16:35
إسماعيل القريتلي

إسماعيل القريتلي

مدخل:

حتى يمكن سرد توقعات موضوعية لما يمكن أن ينتهي إليه مؤتمر برلين يجدر بنا أن نأخذ في الحسبان عديد الحقائق:

1- عجز كل اللقاءات الدولية والإقليمية السابقة عن صياغة رؤية وخارطة لحل المشكل الليبي.

2- فشل كل اللقاءات والمسارات الدولية والإقليمية المرتبطة بأزمات الربيع العربي سواء في سوريا أو في اليمن.

3- لم تسجل نجاحات تذكر للبعثات الدولية سواء في ليبيا أو اليمن أو سوريا منذ اندلاع الربيع العربي.

4- الانقسام بين القوى الدولية والإقليمية وانخراط دول الإقليم في تحالفات مأزومة بالمواجهات البينية والإقليمية كما هو الحال في الأزمة الخليجية والتدخل الخليجي والإقليمي في ليبيا واليمن وسوريا ومحاولة التأثير على الأحداث في السودان والجزائر ولبنان والعراق.

5- النزاعات البينية داخل أوروبا بشأن ليبيا خاصة بين فرنسا وإيطاليا.

6- ارتباك السياسة الخارجية الأمريكية منذ تولي ترامب كما يظهر في مواقفه المتناقضة غير الثابتة من أزمات المنطقة.

7- صعود الدور الروسي وتوسع وجودها في المنطقة الأمر الذي يقلق أوروبا ولا يبدو أن إدارة الرئيس ترامب معنية به بدليل الخلاف الحاد داخل الكونغرس بخصوص الصعود الروسي.

تقييم الوضع في ليبيا:

يبدو أن الفرقاء في ليبيا باتوا أكثر إدراكًا لتفكك الدور الدولي وتضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية وتراجع موقع الولايات المتحدة في قيادة السياسة الدولية.

هذا الإدراك سهل عليهم التملص من الخطط والقرارات الدولية التي تصدر عن الأمم المتحدة بما في ذلك مجلس الأمن الذي تضرب الأطراف الليبية والقوى الإقليمية والدولية بقرارته المتعلقة بحظر بيع السلاح إلى ليبيا عرض الحائط وتستمر القوى الخارجية في تزويد حلفاءها المحليين بالسلاح والذخيرة بما في ذلك الطيران المسير والصواريخ الموجهة.

كذلك يدرك الفرقاء الليبيون تناقض المصالح الإقليمية والدولية الأمر الذي سهل لهم الانخراط في الصراعات الخارجية بنقلها إلى الداخل الليبي وهو ما وفر لكل طرف دعمًا سياسيًا وعسكريًا وماليًا، وبذلك باتت ليبيا مسرحا للحرب بالوكالة.

ألمانيا:

على الرغم من أن ألمانيا تملك أكبر اقتصاد في أوروبا ورابع أضخم اقتصاد في العالم (4 تريليون دولار تقريبا) إلا أن حضورها في السياسة الدولية لا يعادل حجمها مقارنة بروسيا مثلا (1,6 ترليون دولار تقريبًا)، وذلك بسبب نتائج الحرب العالمية الثانية التي تشكلت فيها السياسة والعلاقات والمؤسسات الدولية بإرادة المنتصرين في الحرب.

قادت القيود التي كانت مفروضة على ألمانيا في توسيع دبلوماسيتها الدولية من خلال الوجود النشط في الأعمال الدولية مثل قوات حفظ السلام وجهود الوساطات في عديد الأزمات مثل ما تفعل في الوساطة بين حزب الله وحماس في مقابل إسرائيل، وتسعى للعب دور الوساطة بين مصر وإثيوبيا بخصوص الخلاف على مشروع سد النهضة الإثيوبي.

وهي تدعم جهود السلام في أكثر من 30 منطقة نزاع في العالم. وتولى دبلوماسيوها رئاسة بعثات دولية في مناطق نزاعات بينها بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا التي تولى رئاستها مارتن كوبلر (مايو 2015 - يونيو 2017).

هل ينجح مؤتمر برلين؟

في تحليل نشرته مؤسسة DW على موقعها باللغة العربي خلص كاتبه منصف السليمي خبير الشؤون المغاربية بالمؤسسة إلى أن مبادرة الوساطة الألمانية تحيطها صعوبات كثيرة قد تؤثر على نتائجها، ووصف المؤتمر بأنه الفرصة الأخيرة قبل الكارثة.

ولعلني أميل لتحليل السليمي بالنظر لمجمل المعطيات التي أوردتها أعلاه وأيضا للعوامل التي ذكرها السليمي نفسه.

فالنزاع بدأ مبكرا على من يحضر المؤتمر ومن يغيب عنه ورأينا تصريحات متضاربة من الفرقاء الليبيين مثلا بخصوص مشاركة تركيا وقطر فحكومة الوفاق تطالب بحضورهما والبرلمان وخارجية المؤقتة ترفض حضورهما رغم أن الليبيين أنفسهم لن يكونوا طرفًا مشاركًا في المؤتمر.

ونقرأ يوميا تصريحات لمؤيدين لحكومة الوفاق تصف المؤتمر بخطوة لدعم خليفة حفتر.

هل روسيا هي الهدف؟

يعتقد بعض المحللين أن الغاية الأسمى لمؤتمر برلين هو تحجيم الدور الروسي الذي يستمر في توسيع وجودها في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط سواء في سوريا ومصر والآن ليبيا إلى جانب التقارب مع الجزائر، وهو ما يزيد القلق الأوروبي ومخاوف الديمقراطيين في الولايات المتحدة من تعاظم النفوذ الروسي.

غير أن روسيا أعلنت مشاركتها في المؤتمر ويستمر مسؤولوها في التواصل مع الجانب الألماني للتنسيق فيما يتعلق بالمشاركة في المؤتمر ومناقشة الأوضاع في ليبيا.

خلاصة:

لا يبدو أن القوى الإقليمية والدولية المتنازعة بخصوص الأزمة الليبية وترتبط في تحالفات متناقضة على استعداد لتقديم تنازلات أو التخلي عن مصالحها المتضاربة سواء الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية، بما في ذلك الاختلافات داخل البيت الأوروبي نفسه.

مثّل اتفاق الصخيرات الموقع عليه في ديسمبر 2015 الإنجاز الأهم للمجتمع والمؤسسات الدولية، ورغم ذلك لم ينجح في معالجة الانقسام السياسي بل زاد من انقسام الليبيين اجتماعيا وتجري في ظله حروب أهلية طاحنة.

ومن خلال تتبع التصريحات الدولية لا يبدو أن هناك عزيمة لإلغاء اتفاق الصخيرات ويبدو أن تعديله تعرقله المواقف الداخلية خاصة بعد الحملة العسكرية على طرابلس.

في ضوء ما ذكر من معطيات لا يبدو أن التفاؤل سيكون عميقا بخصوص مخرجات مؤتمر برلين الأمر الذي سينعكس سلبا على الوضع العسكري والسياسي والاقتصادي لليبيا وينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية الناتجة عن استمرار الاقتتال الأهلي بين الفرقاء الليبيين.

أخيرا ، هل يمكن لرئيس البعثة الدولية غسان سلامة أن ينجح في عقد المؤتمر الليبي بعد مؤتمر برلين وهل من الممكن أن ينتج مؤتمر الليبيين حلًا للأزمة مقابل التعثر الدولي؟

الموقع على الشبكات الإجتماعية