أتاك الربيع.. مرة أخرى!

اثنين, 09/23/2019 - 13:27
أحمد فال الدين

بقلم: أحمد فال الدين // كان الربيع العربي ثمرة من ثمرات الأمل، وكانت الثورة المضادة مشروعاً لاغتيال الأمل في النفوس. لقد فُطر الإنسان على الأمل؛ فما هو  إلا حيوان ذو أملٍ فسيح. فبالأمل يعمل ليبدع المخترعات المادية، وبه يسير لهدم الأوضاع الاجتماعية المهترئة سعياً للأفضل وأملاً في تحقق المجتمع المرغوب.

لذا تُشير بعض الإحصاءات إلى أن المجتمعات الأنجح هي أكثر المجتمعات أملاً وتفاؤلاً. والإنسان المقهور المغدور إنسان متشائم سوداوي المزاج لا يرى وراء ظلام الليل صبحاً، ولا يتخيّل إلا جحافل الظلام الكامنة وراء الروابي والآجام. ولعل من أخطر ما انصرفتْ له جهودُ أعداء التحرُّر من قادة الثورة المضادة العمل على إطفاء جذوة الأمل المُعتَملة في صدور ملايين العرب بغدٍ فسيح بهيج.

لذلك على المتصدّرين للشأن العام من أنصار الشعوب ضد مستعبديها التذكير الدائم بأن موت الفكرة ليس في هزيمتها بالسلاح، بل باستسلام صاحبها وإيمانه بأن جهوده لن تُؤتيَ أكلاً.

فالمستبدون وأنصارهم موقنون بأن الثورة لا تقوم إلا على جناحيْ الغضب والأمل. الغضبِ العام على النظام، والأملِ العريض بغد مشرق وضّاء. لذلك يسعى أعداء التحرُّر -ليقينهم أن الغضب لا يمكن كبته لأنه نتيجةٌ  لإدارتهم للبلدان واستعبادهم لبني الإنسان- إلى توجيه جهودهم لاغتيال الأمل من النفوس.

فالثورات لا تقوم إلا على آمال عراض تعتمل في صدور الملايين فتُوقنَ أنها بقوْمتها ستأتي بما لم تأتِ به الأوائل. وهذا من أهم العناصر المحركة للتاريخ.

لذلك كانت الهبّاتُ الكبرى في التاريخ نتيجةً لعواطف جامحة، لا لخلاصات عقلية باردة. ولعل الدرس التاريخي يُثبت أن علماء الرياضيات لم يقدموا مهجهم للبرهنة على خلاصات رياضية، لكن الإنسان إذا آمن بفكرة غيبية -دنيوية أو دينية- ولامس ذلك الإيمانُ قلبه مستعد لبذل الدم في سبيلها. واعتبرْ ذلك في الثورة الفرنسية. فالثوة الفرنسية كانت ثورة عواطف وأمل ودين، لا ثورة عقلية باردة؛ وإنْ مهَّد عقلاء الفلاسفة بتنظيرهم لاعْتمال تلك العواطف المتوهجة وغرسها في قلوب الناس.

ولعل الكاتب الفرنسي غوستاف لوبون وُفِّق حين قال إن ميزة الثورة الفرنسية لم تكن في أنها بشّرت بنظام جديد، بل في تبشيرها بديانة جديدة. لذا، يحتاج أنصار الإنسان في العالم العربي اليوم إلى تذكُّر الحقائق التالية.

  • لم تنهزم فكرة الحرية في بلداننا بخذلان الناس لها، بل بالحديد والنار. فما وقع في مصر عام 2013 ليس انهزاماً للفكر المُعلي من قيمة الإنسان على أيدي الناس، بل ما وقع أن عصابة مدججة بالسلاح عملت بالليل مع أنصار الرجعية وقرروا إسقاط سلطة انتخبها شعب حر مختار. ولذا، فإن ما وقع ثورة مضادة بقوة السلاح، لا تقهقرٌ للمبادئ الإنسانية. وعليه فإن قوة التعلق بالحرية كامنة في نفوس الناس كما هي، مخنوقة بحد السلاح وها قد عادت بشائرها من الخرطوم والجزائر والقاهرة.
  • الحقيقة الثانية أن الأنظمة المنبثقة عن الثورات المضادة أو الممولة لها أنظمة فاشلة غير ملهمة. فمنْ ذا الذي يتمنى أن تخضع بلاده لنظام كنظام سفاح مصر؟ ومن ذا الذي يتمنى أن تحتل بلاده وتدار شؤون وطنه من حكومات "الأغنياء الأغبياء" على لغة الريسوني. إن الثورة المضادة أفشل وأظلم من الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب، ومن مُمَوّلي تلك الثورات المضادة.
  • الحقيقة الثالثة أن الاستقرار المزعوم الذي يفر إليه الحمقى خوفاً من تقلبات الثورة استقرار موهوم. فأي "أمنٍ" غير ناتج عن عدل خوف محقق. ولقد قلتُ مرة إني لا أنسى زيارتي لدمشق عام 2008؛ إذ وجدتها ترتعد أمناً. كانت حواريها آمنة أمن السجون، ساكتة سكوت المقابر، هادئة هدوء مشرحة الموتى. لكن العاقل لا يتأمل نظرات أهلها الذاوية، ولا يرى تصرفات عسسِها القلقة إلا أيقن بأنها حُبلى بانفجار هائل:

وما الدهرُ في حال السكون بساكنٍ * ولكنه مُسْتجمعٌ لوُثوبِ!

 ولعل أدقَّ ما في هذا الباب قول أستاذنا محمد المختار الشنقيطي: "إن الاستبداد حربٌ أهلية مؤجلة". فلا استقرارَ في جمهوريات الخوف، ولا أمن تحت عباءات الأنظمة المتسلطة.

  • الحقيقة الرابعة أن الأمن الحقيقي هو ذلك الذي تنعم به الحواضر التي كتبَ أهلُها عقداً اجتماعياً قائماً على النصفة والعدل ومحاسبة الحكام. فالسلام في تلك الحواضر سلام حقيقةٍ لا سلام وهم... سلام باريس ولندن وطوكيو وجوهانيزبيرغ.  ولعل أكثر من يفهم هذه الجزئية هم المستبدون وأعوانهم. لذلك لا تراهم يستثمرون أو يدخرون إلا في تلك الحواضر، ولا يطمئنون على أموالهم إلا في تلك البلدان التي بُسطت فيها الحرية للإنسان وغدا مواطنوها يحاسبون حكامهم متى حادوا عن العقد الاجتماعي المكتوب. فإذا كان المستبدون وأعوانهم يرون بلدانهم آمنة فلماذا لا يخزنون أموالهم في بنوكها ويستثمرون في اقتصادها وهي الخاضعة لسلطانهم، "الآمنة" تحت عيون عَسَسِهم؟

إن منطق التاريخ وسنن الله الناطقة شاهدان على أن بلدان العرب لن تهدأ إلا إذا تحقق العدل وانبسطت الحرياتُ في أرجائها لبني الإنسان. فالإنسان خلقه ربه خليفةً في الأرض، لا سجيناً فيها، وجعله كائناً مُكرّماً حراً، لا حيواناً تافهاً مُهاناً.

والأمل في تحقق ذلك التكريم الإلهي لجنس البشر لابد أن يظل حياً في نفوس العرب مهما تغوّلت الثورة المضادة وادلهمَّ ليلُها.

على الأحرار في مصر -وفي غيرها- المحافظة على جذوة الربيع التي أنفق الأعداء المليارات لوأدها، وقتلوا آلاف الأحرار لاغتيالها. والظاهر أنها لم تمت، بل ظلت تنمو في نفوسهم، وها هي تتفتح ليستنشق الناس أزهار ربيعٍ جديد هم فيه أكثر وعياً، وأشد صلابة، وأعلمَ بالأرض التي عليها يتحركون، وبطبيعة العدو الذي يصارعون.

نقلا عن صحيفة الإستقلال

الموقع على الشبكات الإجتماعية