جدلية تأسيس الدولة القومية في ليبيا

جمعة, 08/30/2019 - 15:16
اسماعيل لقريتلي / صحفي وباحث واعلامي ليبي شهير.

بقلم / إسماعيل القريتلي: - قد يكون من المهم الأخذ في الحسبان السياقات المعرفية والاجتماعية والإدارية والقانونية والسياسية والاقتصادية، حيث لم تكن في الجغرافيا الليبية الحالية وجود للدولة القومية التي أعلن استقلالها في 1951.

- لم تكن في جغرافية ليبيا الحالية قبل الاستعمار الإيطالي في 1911 مشاركات فكرية ومعرفية ترتبط بالتحولات التي تحدث في العالم، ولم يكن هناك نظام تعليمي حديث مثل المدارس والجامعات فضلا عن عدم وجود حركة تأليف وطباعة ونشر وصحافة يومية ونوادي ثقافية ومراكز بحث علمي مع انتشار شبه تام للأمية.

- خضعت ليبيا للنظم الاجتماعية التقليدية المتمثلة في القبيلة وارتباطها بالأرض وتخوض القبائل فيما بينها صراعات دموية بهدف الهيمنة على الأرض ناهيك عن غزو القبائل لبعضها وانتشار أعمال قطع الطريق ضد القوافل، مع انفصال عملي بين المناطق والأقاليم بسبب غياب الدولة الجامعة وانعدام البنية التحتية للمواصلات.

- لم يطور الليبيون أو حكام المناطق أنظمة إدارية ومالية عامة تمثلت في مؤسسات عمومية.

- غياب منظومة قانونية تحدد الواجبات والحقوق وما يتبعها 
من محاكم ونيابة ومحاماة.

- غياب التشكيل السياسي الحديث المناسب للدولة القومية الحديثة التي ولدت من حيث الشكل مع الاستقلال.

- كانت ليبيا بعد استقلالها عاجزة عن توفير أموال تنفقها وفق بنود موازنات حكومات الاستقلال الأولى، ولم يكن هناك صناعة أو حركة تصدير تذكر.

- هذه السياقات رسمت أوضاع ليبيا قبيل الاستعمار الإيطالي، ومع دخول إيطاليا محتلة إلى ليبيا ثم إعلان حكومة الفاشيست ليبيا جزءا من إيطاليا وجد الليبيون غير المترابطين عمليا إضافة إلى غياب مفاهيم وطبيعة الدولة القومية الحديثة ومؤسساتها عن إدراك أغلب الليبيين الذين قاوموا وقاتلوا إيطاليا من منطلقات دينية واجتماعية غير متعلقة بالدفاع عن دولتهم القومية ذات المفهوم الواضح عندهم.

- ترتب عن المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي انتقال عدد من الليبيين إلى خارج ليبيا في مصر وسوريا وتركيا وتأثروا هناك ببعض المفاهيم المرتبطة بالدولة القومية الحديثة دون أن تنضج تلك الأفكار لتشكل الوعي الجمعي المشترك بينهم.

- وأثناء الحرب العالمية الثانية تحالف الأمير إدريس السنوسي مع الإنجليز لمحاربة القوات الإيطالية في ليبيا وتحصل بعد هزيمة إيطاليا وألمانيا في الحرب العالمية الثانية على وعد بتأسيس إمارة في برقة.

- فازت بريطانيا بالانتداب على شمال ليبيا وفرنسا على إقليم فزان، وانطلقت بعد ذلك حركة وطنية غير متحدة تطالب بالاستقلال ثم اتحدت جزئيا رؤية النخب في الأقاليم الثلاثة ليتمكنوا في 1949 من الحصول على قرار أممي بحق تقرير المصير والاستقلال بشروط: صياغة دستور وتشكيل حكومة وإجراء انتخابات عامة.

- استقلت ليبيا بعد عامين من صدور القرار الأممي على وقع خلافات بين النخبة الوطنية في طرابلس وبنغازي بخصوص النظام السياسي وشكل الدولة الفيدرالي حيث تضمنهما دستور 1951 ليلغى النظام الفيدرالي للدولة في تعديل دستوري تم سنة 1963.

- بعد الاستقلال أصبحت ليبيا باعتراف الأمم المتحدة دولة قومية لها حدود معترف بها وشعب تحكمه سلطة دون أن يحدث أي تطور في النظام الاجتماعي والمعرفي بما يلائم شروط وجود الدولة القومية التي نقلتها إيطاليا ثم بريطانيا وفرنسا كخبرة أوروبية لجغرافيا ليس لها أي مساهمة في تحولات التنوير الأوروبي.

- الآن بعد 6 عقود من ميلاد الدولة الليبية القومية لم يحدث تغييرات وتحولات في النظام الاجتماعي ولم يطور الليبيون هوية وطنية تتناسب مع وجودهم في دولة قومية، ولم تتطور النظم القانونية والسياسية والاقتصادية والإدارية لتوائم متطلبات الدولة القومية.

- ربما يمكن تفسير الحروب الداخلية في ليبيا على أنها من حلقات جدلية تأسيس الدولة القومية التي فرضت عليهم ظروف تاريخية التواجد فيها دون أن تكون لهم علاقة بنشأة تلك الدولة التي خلقت في أوروبا لظروف وشروط عاشتها أوروبا مع نهاية العصور الوسطى.

- هل يمكن أن نقنع المتحاربين وأطراف كل النزاعات في ليبيا إلى تبني وسائل وأدوات سلمية لمعالجة كل تلك الخلافات ومن ثم خلق شروط الدولة القومية في ليبيا، لأن جدلية وسيرورة تأسيس الدولة سيستمر في ليبيا لعدم نضج ظروف التأسيس وشروطه ولكن يمكننا استبدال العنف والاقتتال بالحوار والتفاوض.

الموقع على الشبكات الإجتماعية