الشنقيطي: الزاهد الناصح

أحد, 04/28/2019 - 19:07

بقلم : إبراهيم الدويري // لا تستثقل النفس البشرية شيئا كاستثقالها للنصيحة، وذلك لأن الإنسان مجبول على حب الكمال وإظهاره، وعلى الحساسية من النقص والشغف بإخفائه، وقد علق ابن عطية على قول الله تعالى {ولكن لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} بقوله: "عبارة عن تغليبهم الشهوات على الرأي، إذ كلام الناصح صعب مضاد لشهوة نفس الذي ينصح، ولذلك تقول العرب: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك"، المحرر الوجيز 2/ 424. كما علق النسفي في تفسيره على الآيات بقوله أي لا يحبون "الآمرين بالهدى لاستحلاء الهوى، والنصيحة منيحة تدرأ الفضيحة، ولكنها وخيمة تورث السخيمة"، مدارك التنزيل وحقائق التأويل 1/ 583، وفي نقد التوحيدي لابن عباد أنه أضاعه "قلّة سماعه من الناصح فيه" الليلة الرابعة من الإمتاع والمؤانسة.
أتذكر قضية النصح هذا وثقله على النفس كلما نصحني مشفق أو مخلص فأرى من نفسي تضايقا وربما تحايلا، وتلك من رعونات النفس البشرية الخَدوع، أمس على هامش منتدى الجزيرة الثالث عشر كنت مع عدة زملاء من بلدان عربية مختلفة، وجاء ذكر الدكتور محمد المختار الشنقيطي الذي ألقى في إحدى جلسات المنتدى كلمة مختصرة مليئة بالأفكار والمعلومات عن توظيف القوة الناعمة في صراعات المنطقة، وعلق أحد الأصدقاء أن ميزة الشنقيطي أنه يضع في يد المتلقي أو ذهنه شيئا ملموسا فكرة أو عنوانا أو مقارنة ذكية، قال وذلك رغم حضوره الإعلامي الكثيف.

أثناء النقاش الجانبي والتعليقات المتعددة الجوانب؛ تدخل زميل سوداني من الإسلاميين الثائرين على نظام الإنقاذ، وقال مشكلة التيارات في العالم العربي والإسلامي أنهم يمرضون كآحاد الناس فيضيقون بالنصح أو لا يعبأون به، وذكر شيئا من أحوال السودان وتجارب نظام الإنقاذ مع ناصحيه من داخل السودان وخارجه، وقال رغم حنقه على البشير ونظامه أنهم لو أصغوا لتلك النصائح واعتبروا بها لتمكنوا من خروج مشرف من السلطة أو احتفظوا بها مع حب الشعب لهم، وذكر من الناصحين خالد مشعل والريسوني والشنقيطي.

وعلى ذكر النصح وخطر التهاون به، ذكَّرنا أحد الزملاء أن الدكتور الشنقيطي كان كتب عن "ملامح المأزق القيادي لدى الإخوان المسلمين" في مصر عام 2001، وتضايق منه بعض أنصارهم، ثم بعد خمسة عشر عاما أي عام 2016 وبعد كل ما جرى في مصر انتبهوا لقيمة المقال مع مقالات أخرى وبدأوا في البحث عنه للاستفادة منه، كما ذكر هذا الزميل أن الشنقيطي كتب عام 2009 متسائلا؛ "هل أصبحت دارفور قبرا للحلم الإسلامي في السودان؟"، وقدم للبشير وحركته نصائح من ضمنها "أن تبني شرعية سياسية على غير القوة والإكراه، فلا خير في سلطة تستمد شرعيتها من القوة حصرا، ولا مجال لاعتماد فقه الضرورات إلى الأبد" و"أن تسعى لإطعام الإنسان السوداني من جوع، وتأمينه من خوف، باعتبار ذلك أهم بند في رسالتها، وأول خطوة على طريق البناء"، وهذان الخطران تهاونت بهما حكومات البشير فكانا كفيلين بالقضاء على نظامه. 
مآل نظام الإنقاذ في السودان فيه كثير من العبر والأسى والحنق؛ إذ كيف تمر السودان والمنطقة بكل هذه المطبات ثم لا يصغي الحاكمون فيها لأي ناصح من الناس أو عبر التاريخ، فيسددون ويقاربون ويستشعرون تطورات المنطقة والشعوب فيضمنون لأنفسهم مخرجا يحول بينهم وبين السجون التي ظل خصومهم يترددون عليها طيلة ثلاثة عقود، حقا إن الإنسان عدو نفسه، ومشكلة الدكتور الشنقيطي أنه إسلامي حُرٌّ يرجح "الإمكان التاريخي" عند هيجل على "الجبرية التاريخية" عند ابن خلدون.

في تعليق بعض القادمين من مدينة العرب إسطنبول ذكر ما يتعرض له الأحرار المطاردون من مضايقات وإغراءات من لدن أنظمة الثورة المضادة، وهنا عدنا أيضا لعظمة الشنقيطي الزهدية، حيث ذكر أحد مصاقبيه تجاربه مع المضايقات والإغراءات التي تعرض لها في أمريكا ليكون مثل كثيرين عملهم نقل الأخبار وكشف عورات المسلمين، ويكون أحدهم يحمل صفة "باحث" في "الحركات الإسلامية" أو "شؤون الشرق"، بدلا من أن يكون إسلاميا يحمل هم الإسلام ويدافع عنه، وذلك مقابل حصوله على "الجنسية" و"ملحقاتها" وهو ما عرض على أبي راشد كثيرا فآثر دينه وعزته، وما تعرض له بعد ذلك من مغريات مذهلة من أنظمة الترويع العربي لكنه آثر نصرة المستضعفين في العالم الإسلامي على أموال القارونات، وقد كتب يوما "أعتزُّ بأني مرتزق: أستلم المليارات من الأطفال الجوعى في #اليمن، ومن الأسرى المعذبين في سجون #السيسي، ومن اللاجئين النازحين من جحيم#الأسد، ومن المحاصَرين المعدمين في #غزة.. لكني زاهد في مليارات #محمد_بن_زايد و#محمد_بن_سلمان.. وكل قارونات الليكود العربي والثورة المضادة..".

والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

الموقع على الشبكات الإجتماعية