ألبان الإبل في موريتانيا.. مشروعات تداعب الفطرة

أحد, 12/23/2018 - 11:33

على مداخل العاصمة الموريتانية نواكشوط الشرقية والشمالية تنتشر “مشاريع الألبان” وتزداد حركة السيارات الفارهة كل مساء، حيث يتردد الآلاف من سكان العاصمة نواكشوط الساحلية على مشاريع اللبن بـ”تنويش” شرق العاصمة ومشاريع “تفرغ زينة” شمالها للتزود بكميات كبير من لبن الإبل الذي يشكل أهم مادة غذائية في موريتانيا بعد اللحوم وبأسعار معقولة، مستفيدين من قرب المشاريع وفساحة الأراضي التي تنتشر عليها؛ وهو ما يشكل بديلا عن المتنزهات الاصطناعية التي يلجأ إليها سكان المدن الكبيرة عادة.

 

 

رجال سمر تبدو عليهم علامات البادية متحمسون لأعمالهم، ونساء عاملات أخذت رياح المحيط منهن مأخذها وهن جاهزات لتوزيع الأقداح على مرتادي “المشاريع” الصغيرة حول العاصمة، ونوق هجرت الكلأ والمراعي البدوية الشاسعة واختارت العلف مع نكهة بدوية أبت إلا أن تحافظ عليها مستفيدة من الصحاري الشاسعة التي أسست عليها العاصمة نواكشوط.

 

تلك أهم مميزات المكان والضيوف يتنوعون تنوع سكان المدينة ومرتاديها.. “ميشيل” سائح فرنسي وصل على متن الخطوط الجوية الفرنسية قبل 3 أيام يرغب في لمس النوق والنظر في حليب الناقة وهو يأخذ من الضرع مباشرة.. يعشق لبن الإبل برغم أنه لم يشربه في حياته.

 

يذهب كل مساء مع سائق التاكسي (جعفر) إلى مشاريع “تفرغ زينة” ليشتري 3 ليترات من لبن الإبل له وللسائق الذي يقطع معه الطريق كل يوم (حوالي 4 كم) فـي سيارة المرسيدس (190)، منتشيا بروعة المشهد وبساطة المجتمع، حيث يحاول دائما الحديث مع بائع اللبن الشاب المسلم “محمد ولد عبد الله” الذي لا يتقن غير اللهجة الحسانية المتداولة في أوساط “البيضان” من سكان موريتانيا.

 

أول مصنع للألبان

 

غير أن بساطة المشهد لم تمنع البريطانية “نانسي أعبيد الرحمن” من بناء أول مصنع للألبان في العاصمة نواكشوط، مستفيدة من وفرة اللبن بمشاريع الألبان ورغبة الموريتانيين الذين هجروا البادية خلال العقود الماضية بسبب الجفاف من الاستفادة من الألبان التي تربوا عليها لفترات طويلة.

فبعد فترة طويلة قضتها الأوربية “نانسي” في موريتانيا بعد زواجها من النائب البرلماني الحالي المصطفى ولد أعبيد الرحمن والقيادي اليساري سابقا، قررت السيدة الأوروبية فتح مصنع “تفسكى” للألبان في مقاطعة عرفات بالعاصمة نواكشوط كبرى مقاطعات العاصمة.

المصنع الذي يعمل به العشرات من الشبان الموريتانيين يعتمد على طريقة بسيطة لجمع الألبان، حيث يرسل أسبوعيًّا عدة حاويات كبيرة لشراء الألبان من مشروعات “تنويش” و”تفرغ زينة” ووضعها في حافظة ثم نقلها بعد ذلك إلى العاصمة لبيعها في علب صغيرة وبمسميات مختلفة غالبيتها من الأسماء المحبذة لدى الموريتانيين، منها “تفسكى” وهو فصل الربيع (الخريف) وهو أهم فصول السنة في موريتانيا، “البادية” “الرايب” وهو مسمى محلي للألبان المبسترة في الريف.

 

وبذلك سهل المصنع الأول للألبان في موريتانيا للمواطن عملية توفير اللبن وبأسعار مناسبة “200 أوقية للتر”، أي أقل من دولار (الدولار =265 أوقية)، كما أن المسميات التي اختارها المصنع أعطته نكهة محلية دفعت الكثير إلى التعلق به، كما تقول مريم بنت حمود التي تسكن نواكشوط منذ 15 سنة بعد أن هجرت الريف إثر موجة الجفاف التي حدثت في التسعينيات من القرن الماضي.

 

للألبان فوائد أخرى

 

لا يقتصر استعمال الموريتانيين للبن الإبل على الشرب فقط بل يتعدى ذلك إلى الكثير من الخصال؛ وهو ما أدى إلى نجاح هذا المصنع، هكذا أكدت الحاجة فاطمة بنت محمد والبالغة من العمر 63 سنة، وتسرد ذكرياتها قائلة: نتذكر الوالد الله يرحمه كان دائما ما يذهب بنا إلى البادية من قريتنا الصغيرة الواقعة شرق مدينة لعيون على بعد 70 كم لنشرب اللبن، وكنا ونحن 3 بنات للأسرة نقوم بشرب اللبن الصافي ليلا ثم نشرب “أسليت” صباحا، وهو عبارة عن لبن الإبل حينما يبيت في جلد شاة نطلق عليه “الشكوة” فترة الخريف حيث تعتدل الحرارة، ونشرب كميات معتبرة منه بعد إضافة قليل من السكر، ثم نقوم بتغطية وجوهنا ببقية اللبن شبه المتجمد وذلك لمحاربة حب الشباب أو ما يسمى محليا “بتاجه”، وكذا تجاعيد الوجه والبقع التي تتركها الطبيعة الصحراوية الحارة للقرى على وجوه النساء في فصل الصيف “تاشات”.

 

وحول ما إذا كانت فاطمة وأخواتها يستعملن بعض الأطعمة الأخرى مع اللبن تستعيذ العجوز المولعة بحياة البادية بالله وتقول بأن ذلك يتسبب في “أخصارت المجبن” (أي فساد الهضم)، وأنها منذ عرفت البادية منتصف القرن الماضي حيث ولدت في قرية نائية ما أخذت طعاما قط مع لبن الإبل لكنها أيضا ترفض شرب لبن البقر.

وتؤكد “خت بنت أحمد” وهي تستذكر أيام شبابها أن لون النساء كان أفضل مع لبن الإبل قبل أن تتغير طبائع القوم ويلجئون إلى مستحضرات جلبها المستعمر أفسدت شكل “بنات المسلمين”، والعياذ بالله.

 

وتقول السيدة “خت بنت أحمد”: “إن لبن الإبل يعتبر إحدى المواد الأساسية التي يتعالج بها الموريتانيون من أمراض عديدة من أهمها فقر الدم وبعض الأمراض المرتبطة بالجهاز الهضمي، وترجع سبب انتشار القرحة المعدية في البلاد إلى نمط التغذية المتبع في المدينة والتحول السريع للسكان من حياة البادية إلى مدنية مصطنعة جنت عليهم الكثير من الأخطار”.

وتقول البريطانية نانسي أعبيد الرحمن صاحبة المصنع الوحيد لتصنيع الألبان: “حليب الإبل يعطي المرأة بشرة نضرة”.

لكنها برغم ذلك فلا تزال عاجزة عن القيام بمستحضرات تجميل للنساء من ألبان الإبل برغم تعهد سابق بذلك، وفق ما أكده أحد العاملين معها.

 

ويقول أحمد ولد سيد أحمد وهو مهندس تغذية عمل عدة سنوات في مشروع “تفسكى : “إن النساء يشربن كميات كبيرة من حليب الإبل ليحافظن على بشرة نضرة وصافية مع وزن يعتبره الموريتانيون ضروريا لأجساد النساء”.

بقلم : سيد أحمد ولد باب

نقلا عن اسلام أون لاين

الموقع على الشبكات الإجتماعية