"عن الإعلام والقيم"

اثنين, 01/01/2018 - 19:26

علاقة الإعلام بالقيم ليست علاقة سببية صرفة، ولا هي من تلك التي بالإمكان قياسها أو تفكيكها بأدوات كمية تضبط صيرورتها وتحولاتها وتفاعلاتها في الزمن والمكان.

 

هي علاقة مركبة للغاية، ليس من الهين ضبط طرف المعادلة بجهة من يؤثر في الآخر أكثر، أو الإمساك بدرجات الفعل المباشر وغير المباشر التي قد تترتب عنها بهذا الفضاء الإعلامي أو ذاك. ولما كان الأمر كذلك، فإن ذات العلاقة غالبا ما ثوت وتثوي خلف تباينات في الرأي عميقة، أفرزت تيارات متباينة في الشكل والمضمون بين:

°- من يرى بأن للإعلام دور أساس في المحافظة على القيم القائمة، وترسيخها لدى الأجيال المتعاقبة، بواسطة وسائله المعروفة، والتي تتميز بكونها قادرة على التأثير بشدة على أفراد المجتمع.

°- ومن يرى بأنه ليس من الضروري بالنسبة للإعلام بروافده المختلفة، أن يعكس القيم الموجودة في مجتمع معين، بل عليه أن يستنبت ويرعي قيما جديدة، قد تكون بالنسبة إليه أنجع أو أكثر تعبيرا عن واقع الحال، كما أنها (القيم) بالنسبة إليه ستكون متطورة ومراعية للتحولات الاجتماعية التي يشهدها العالم.

ليس لدينا بالوطن العربي عموما، إعلاما بالمعنى المنظومي للكلمة، أي ذاك الإعلام الذي يتخذ من دقة المعلومة رسالته، أو الذي يرتكز على الرأي المؤسس الباني، أعني الرأي الموجه للسلوك، المؤطر للتصرف، الموضح للرؤيا.

أزعم أن دور الإعلام، بكل روافده المختلفة، المكتوب منها كما المسموع كما المرئي، لا يجب فقط أن يقتصر على عكس ما يروج بالمجتمع من قيم، ولا فقط أن يختار ضمنها تلك التي من المفروض تقديمها على غيرها، أو إبرازها أكثر.

 

إنه مطالب أيضا بالإسهام في استنبات قيم جديدة قد تفيد المجتمع، لكنها غالبا ما تكون غير مروجة بما يكفي أو متجاوز عليها، أو مصنفة ضمن مرجعيات أخرى، للمجتمع بإزائها بعض من المواقف السلبية المسبقة، أو بعض من التحفظ في حالات أخرى.
 

وأزعم أيضا أن الإعلام المقصود هنا لا يحيل على منبر دون آخر، أو على حامل دون آخر. إن المقصود هنا إنما الإعلام كمنظومة متجانسة ومتكاملة، محتكمة في تصورها كما في طبيعتها، إلى رؤية في الإعلام لا تزايد على الحد الأدنى من القيم القائمة، حتى وإن كانت سلبية، ولا تستفز المتلقي بقيم قد تكون إيجابية، لكنها لا تخضع لأطر في "التسويق" سليمة، أو يكون الغرض من ترويجها إثارة فتنة أو تصفية حساب، أو المزايدة الخالصة على هذه الجهة أو تلك.

ليس لدينا بالوطن العربي عموما، إعلاما بالمعنى المنظومي للكلمة، أي ذاك الإعلام الذي يتخذ من دقة المعلومة رسالته، أو الذي يرتكز على الرأي المؤسس الباني، أعني الرأي الموجه للسلوك، المؤطر للتصرف، الموضح للرؤيا.

 

إن الذي نجده إنما جرائد وفضائيات ومجلات تتباين في الغاية من التأسيس، تختلف في المرجعية، لا بل وتتعارض في الغالب الأعم، فيما بين بعضها البعض، بين من يدعي الالتزام بما يسود من قيم وتمثلات، وبين من يذهب لحد الطعن فيها على أساس من هذه الخلفية "الإصلاحية" أو تلك.

إن الملمح إليه هنا إنما مطالبة بعض من المنابر الإعلامية بالحق في إثارة قضايا، قد لا يكون حولها كثير اختلاف في حد ذاتها، لكنها سرعان ما تتحول إلى مصدر تشويش عندما يدفع بمداها إلى أقصى الحدود. ومن هذه القضايا الدفع بشعار "قداسة الحرية الفردية" إلى حد قد لا يستسيغه المجتمع، أو تتنافر مضامينه مع ما هو سائد ومتعارف عليه، أو لنقل مسلم به في وقت من الأوقات وزمن من الأزمان.

إن العديد من المنابر الإعلامية، فرادى أو جماعات، بالعديد من الدول العربية، إنما دأبت على القول بأن موجة التحولات المجتمعية، وتقدم مظاهر الحداثة والعولمة والانفتاح، إنما تستوجب إعادة النظر في قيمة الفرد كفرد، لا باعتباره جزءا من الجماعة حيث يعيش، بل في كونه كائنا مستقل الذات، له قيمه الخاصة، وتمثلاته الشخصية، ونزوات طبيعية غير قابلة للارتهان أو المساومة.

وبالبناء على ذلك، فليس لأحد (يقول ذات الطرح)، فردا كان أو جماعة، أن يزايد على ذات الفرد، حقا يبدو له طبيعيا، لكنه قد لا يكون ذلك بالمرة بالنسبة للمجتمع، أو ما تعارف عليه هذا الأخير وارتضاه حدا أدنى للعيش المشترك، وإلا فالفتنة والتهلكة.

إن الذين يطالبون بحق الإفطار جهارا في رمضان مثلا، أو بتقنين الشذوذ الجنسي، أو بالتوالد من خارج مؤسسة الزواج، لا يرون في ذلك، والعديد من المنابر الإعلامية من خلفهم، لا يرون في ذلك شذوذا، بل ممارسة "حق طبيعي" لهم، كائنة ما تكن مواقف الدين أو المجتمع أو التقليد أو غيره من ذلك.

هي ظاهرة قد لا يجد المرء عسرا، بالرجوع إلى الدين أو القيم السائدة أو الحس السليم حتى، في تبيان خطورتها أو سلبية تبعاتها، وبكل الأحوال فهي موجودة من بين ظهراني كل المجتمعات.

 

بعض "القيم" التي تبدو شاذة اليوم، قد لا تكون كذلك غدا أو بعد غد، وبعض المرجعيات التي قد تكون مستفزة اليوم، قد لا تكون كذلك بالمستقبل، ويمكن أن نلاحظ ذلك بالغرب.

 

لكن أن تجد لها روافد بالإعلام، يسوغ لها ولا يتوانى في طرحها أمام الملأ ليل نهار، فإن الأمر يثير التساؤل ويدفع للريبة والخشية.

صحيح أن الفرد هو الأصل في الدين كما في العرف كما في تجسيد ثنائية الحق والواجب. وصحيح أن الفرد ذات تحمل، بقوة الأمر الواقع، كلا أو جزءا من القيم السائدة بالمجتمع بهذا الشكل أو ذاك.

 

لكنه وبالآن ذاته، محكوم بأطر مرجعية، يختلط فيها المباح بالمقدس، الممكن بالمستحيل، الظاهر كما المسكوت عنه.

بالتالي، فما قد يكون حقا ذاتيا، قد لا يكون كذلك بالمرة بالنسبة للمتعارف عليه مجتمعيا، أو مضمر خفي متعايش معه بهذا الزمن أو ذاك.

إن بعض "القيم" التي تبدو شاذة اليوم، قد لا تكون كذلك غدا أو بعد غد، وبعض المرجعيات التي قد تكون مستفزة اليوم، قد لا تكون كذلك بالمستقبل، ويمكن أن نلاحظ ذلك بالغرب.

 

لكن موسطتها وترويجها بفضاءات لها مرجعياتها الخاصة ومسلماتها  الثابتة، قد لا تكون مصدر استفزاز وحسب، بل ولربما أيضا مصدر فتنة قد يذهب بجريرتها الحد الأدنى من القيم المشتركة التي تضمن للفرد حريته، لكن دونما أن تبخس قيم المجتمع حقها.

الموقع على الشبكات الإجتماعية