النخب السورية وتعدد المفاهيم

سبت, 10/28/2017 - 16:04

بقلم / د.عبد العزيز الحاج مصطفى / كثيرا مايُشبّه المجتمع في الدولة الواحدة بالبحيرة من الماء, وبقدر ماتكون منسجمة بين مكوناتها، بقدر ماتكون هادئة وناعمة، وداخلة في دائرة المفيد. وعكس ذلك يكون الاضطراب والتصادم بين تلك المكونات. هذه مسألة يقاس عليها في المجتمعات كافة، مع الأخذ بالاعتبار العوامل الخارجية، التي تمتد من الخارج إلى الداخل، فتشكل محرضا عاما في دائرة المجتمع الواحد، الذي سرعان مايسوده الصخب بسبب من تلك التدخلات، حيث في لحظة ما، وهي اللحظة الأخطر، في حياة تلك المجتمعات يكون الانفجار، فتتحول تلقائيا إلى الفوضى، فتنهار البنى الاجتماعية، وتدخل في خانة الصراع فتصعب السيطرة.

سورية من حيث الواقع منذ الاستقلال وحتى مابعد 2011م لاتخرج عن هذه الدائرة؛ فمقدماتها الأولية التي أعقبت الاستقلال هي التي أدت إلى نتائج مابعد 2011 وكانت جزءا منه؛ فقد تحولت الأوضاع الاجتماعية والسياسية الاقتصادية، التي كانت في أثناء الاستقلال شبه راكدة إلى متحركة, ومن ثم إلى متشابكة؛ تحتدم فيها الصراعات، حتى كان ما كان منها؛ وسبب كل ذلك باختصار تعدد المفاهيم وتضادها، ومن ثم تصادمها.

وقد كانت المفاهيم يومئذ صادرة عن تعدد الرؤى وتداخلها, ومهما قيل عن الرؤى فإنها تنشأ وتتكون عادة في دوائر ثقافية شبه مغلقة؛ فتتعدد بتعدد المكونات، وتختلف باختلافها، وذلك هو أصل ماحدث، وما سيحدث حتى بعد هذا التاريخ, الأمر الذي يتطلب التفصيل بتجرد، وصدق، وموضوعية.

المفهوم

يعد المفهوم نتاج في العلاقة، بين اثنين أو أكثر, وله خصوصية القربى, ونسيجه المعرفي أكثر خصوصية. وعندما تأخذ به العصبة أولو القوة تكون أكثر تمكنا، وأكثر قدرة على التحكم والسيطرة في المواقف، والتحرك في اللحظة الحرجة, وهويته ذاتية جدا، وانتماؤه والتزامه يصدران عن تلك الذاتية، التي في لحظة ما تتحول إلى قوة مضادة.

تعدد المفاهيم

تتعدد المفاهيم بتعدد المكونات التي تغطي رقعة المجتمع الواحد، وتعدد الثقافات التي تصدر عنها تلك المفاهيم، وتعدد الهموم والمشكلات التي تشغل ناس ذلك المجتمع، وتعدد القوى الفاعلة على الساحتين الداخلية والخارجية، وتعدد الرؤى التي تصدر عن ذلك, والتي هي نتاج المدارس التعليمية (القديمة والحديثة) التي يجمعها الصح والخطأ في خانة واحدة, بالرغم من تباعدها، وصعوبة التقائها.

المدارس التعليمية:

   توصف المدارس في سورية بأنها قديمة وحديثة, والقديمة منها نوعان: المدارس النظامية التي أسسها نظام الملك الطوسي سنة447هـ, والمدارس التبشيرية التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر الميلادي, وقد كانت واسعة الانتشار في بلاد الشام بخاصة.

وهما متضادتان إلى درجة كبيرة جدا؛ فالأولى إسلامية خالصة, غايتها الأساس تتمثل بتطهير المجتمع الإسلامي مما علق به من خليط الثقافات التي دخلت إليه عن طريق الغلاة أو الفلسفات الإغريقية والهندية والفارسية، وقد كانت يومئذ شبه مسيطرة, والثانية تبشيرية غايتها الأساس تتمثل بعودة ناشئة المسلمين إلى الدين المسيحي، أو  تلقينهم المفاهيم المسيحية الكنسية, والتي عدت في حينها طليعة الاستعمار إلى البلاد الإسلامية بعامة.

هاتان المدرستان؛ النظامية والتبشيرية لم تكن نشاطاتهما محدودة, فقد كانت كل واحدة منهما تسعى للسيطرة على  المجتمع. وفي عصر الاستعمار أحرزت المدارس التبشيرية قصب السبق على المدارس النظامية، بسبب من تبعيتها للاستعمار وبسبب من النخب الناشئة التي تربت في أحضانها، وبسبب من المدرسة الحديثة، التي كانت أكثر قربى من المدارس التبشيرية التي جمعتها معها (وحدة المنهج)؛ فكلاهما تمتحان من إناء واحد. أما المدرسة الدينية التي وجدت نفسها مشمولة بقوانين العزل، وقد وصفت بالرجعية والمتخلفة، فقد كانت الأضعف بالرغم من الروح الجهادية التي تعمر نفوس طلبتها، الذين كانوا عصاميين في نشأتهم، وكفاحهم من أجل البقاء، ومواجهتهم تيار المبشرين بعامة.

وهذه المدارس الثلاث: النظامية والتبشيرية والحديثة كانت حواضن النخب الناشئة منذ مطلع القرن العشرين، وحتى نهايته ولم تتوقف، وإذا ما أضيف إليها الكتاب (المترجم) أو (المؤلَف) الذي أصبح متوافرا بكثرة في المكتبات العامة، وعلى الأرصفة التي كان يملؤها الباعة المتكسبون؛ نكون أمام أربعة مدارس هي: النظامية، والتبشيرية، والمدرسة الحديثة، والمدرسة الحرة التي كان أستاذها المطلق( الكتاب) الذي يعد الأخذ منه في أدنى مستوياته علميا، وكانت تعد الأخطر على الناشئة، بسبب الثقافة السائبة التي جمعت بين الخبيث والطيب في ماعون واحد. فالأبناء، لقنوا منها الافكار الوجودية والسريالية والهروبية، وكذلك الأفكار الحداثاوية والعلمانية والعولماتية، وهي أفكار إضافتها إلى الخزين الثقافي أفضى إلى مافيه الشرذمة والضعف، وهو أمر انعكس سلبا على الواقع السوري سيما في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد أصبح بعض تلك النخب إن لم نقل أكثرها جنودا مجندة مع الاستعمار الذي وجد ضالته فيهم، فعمل على تأهليهم، وتفعيل أدوارهم، وتمكينهم من أن يكونوا حكاما لشعوبهم!

الثقافة الاجتماعية:

    يمكن القول إن كل مدرسة من المدارس الآنفة الذكر أنشأت ثقافة خاصة بها، اتسمت بسماتها، وتخصصت بخصوصياتها، ومن ثم تبنت أهدافها، وعملت من أجل تمكينها. فعن المدرسة النظامية أخذ مفهوم الثقافة الإسلامية ذو الصبغة الأصولية، وعن المدرسة التبشيرية أخذ مفهوم الثقافة الكنسية المسيحية ذو الصبغة الليبرالية والعلمانية، وعن المدرسة الحديثة أخذت المفاهيم التي تجمع بين خواص المدرستين التبشيرية والنظامية فتولدت منها الثقافات الهجينة التي تجمع بين الخواص المتعددة الجنسيات في خانة واحدة، أما أولئك الذين أخذوا ثقافتهم من المكتبات العامة أو من على الأرصفة فتعددت مشاربهم بتعدد قراءاتهم، وقد كانت ثقافاتهم أكثر هجنة من سواها.

والثقافات الهجين وهي تجمع بين أنصاف الثقافات المتداخلة والمتنابذة أدت إلى هلهلة في النسيج الاجتماعي واضطراب وفوضى في أوساطه، فضلا عن التداخل الفكري الذي أدى إلى الخلط، الذي كان له أثره السيء على أكثر من صعيد؛ وعلى الأخص الأصعدة الفكرية والسياسية والاجتماعية التي كانت تتطلب صدقا ودقة وأمانة وموضوعية.

التضاد بين الثقافات:

 عندما ظهرت المشكلة السورية بعد الاجتياح الفرنسي لسورية ولبنان في أعقاب الحرب العالمية الأولى, كانت النخب السورية هي المعنية أولا وآخرا بمواجهة الاستعمار وبقيام الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة، وقيادتها كذلك. وكانت مصالح السوريين جميعا تقتضي تقديم (التفاهم) على (اللاتفاهم) وإبعاد الأفكار العدائية التي كان يدندن بها الاستعمار ومنها: (الأفكار الطائفية) التي لها خزينها الثقافي الخاص بها وكذلك (الأفكار الليبرالية والعلمانية) التي كان لها حضورها الاجتماعي الذي لايبعد كثيرا عن الثقافة الكنسية. لكن ذلك لم يحدث؛ فبدلا من الانتباه لمخاطر تلك الثقافات، والاعتصام بالثقافة الأم ذات الخصوصية الوطنية المحضة فقد دخلت معها في خانة التضاد وذلك من خلال مصطلح (الرجعية) الذي أُلحق بالإسلاميين، ومصطلح (الحرية) الذي قذفته إليهم الليبرالية الغربية.

 

4- الخاتمة:

إن نخب الهجين برؤاها وسلوكها المنحرف، وقد أصبحت جزءًا من الصراع، باتت في حاجة إلى إعادة نظر في ثقافتها بعامة فهي التي جعلت المثقف المعاصر يحيد عما يجب أن يفعله فيدخل في خانة أعدائه طوعا؛ بل وينتسب لهم بالرغم من الفواصل الثقافية التي كانت تفصل بين تلك النخب وهي فواصل كان ولايزال ينتشر على أطرافها الموانع التي يصعب اجتيازها على (المنتمي) و(الملتزم) اللذين يحول انتماؤهما والتزامهما دون اجتيازها, وذلك بسبب الخلط في المفاهيم، والبعد عن الأصول، والأخذ عن المشارب الملوثة.

ب- إن نخب الهجين هي التي كانت سببا في الشق والشرذمة

فتعددت الشقوق وكثرت الشراذم إلى درجةٍ جعل أمر لقائها متعذرا بالرغم من وحدة المصير التي تنتظر الجميع، وهذا التضاد القاتل بات يتطلب اليوم وأكثر من أي وقت مضى ضرورة البحث في حيثياته ومعرفة أبعاده وخفاياه وماهو عليه في سر أو علن.

و معرفة ذلك يعد بمثابة المقدمة الأولية لمعرفة مايجب فعله على الصعيدين الفردي و الاجتماعي.

نخب الهجين هي التي سارعت إلى الدخول في الصراع

ضد الإسلاميين، منذ لاستقلال عن فرنسا، وخلال المراحل المتعاقبة، التي مرت بها سورية. وصراعها مع الإسلاميين، جعلها تغرد خارج سربها، وهي مسألة في حاجة إلى مواقف أكثر مسؤولية وأبعد بصرا عن كل ماسبق؛ بل إلى إعادة نظر في المفاهيم والقناعات، والرؤى التي تشكلت في وقت ما، ثم تكشفت بعد عن أخطاء قاتلة في التربية والسلوك، والتي عدت وبشكل قاطع الأساس في كل ماحدث في سورية المعاصرة وحتى اليوم.

 

 رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية  

الموقع على الشبكات الإجتماعية